ابن الأثير
480
الكامل في التاريخ
جميعها ، وكانت من أعمال دمشق ، فلما سمع صاحبها ، وهو ابن الملك المعظّم ، خاف أن يقصده ويأخذ دمشق منه ، فأرسل إلى عمّه الملك الأشرف يستنجده ، ويطلبه ليحضر عنده بدمشق ، فسار إليه جريدة ، فدخل دمشق . فلمّا سمع الكامل بذلك لم يتقدّم لعلمه أنّ البلد منيع ، وقد صار به من يمنعه ويحميه ، وأرسل إليه الملك الأشرف يستعطفه ، ويعرّفه أنّه ما جاء إلى دمشق إلّا طاعة له ، وموافقة لأغراضه ، والاتّفاق معه على منع الفرنج عن البلاد ، فأعاد الكامل الجواب يقول : إنّني ما جئت إلى هذه البلاد إلّا بسبب الفرنج ، فإنّهم لم يكن في البلاد من يمنعهم عمّا يريدونه ، وقد عمروا صيدا ، وبعض قيساريّة ، ولم يمنعوا ، وأنت تعلم أنّ عمّنا السلطان صلاح الدين فتح البيت المقدّس ، فصار لنا بذلك الذكر الجميل على تقضّي الأعصار وممرّ الأيّام ، فإن أخذه الفرنج حصل لنا من سوء الذكر وقبح الأحدوثة ما يناقض ذلك الذكر الجميل الّذي ادّخره عمّنا ، وأيّ وجه يبقى لنا عند الناس وعند اللَّه تعالى ؟ ثمّ إنّهم ما يقنعون حينئذ بما أخذوه ، ويتعدّون إلى غيره ، وحيث قد حضرت أنت فأنا أعود إلى مصر ، واحفظ أنت البلاد ، ولست بالذي يقال عنّي إنّي قاتلت أخي ، وحصرته ، حاشا للَّه تعالى . وتأخّر عن نابلس نحو الديار المصريّة ، ونزل تلّ العجول ، فخاف الأشرف والناس قاطبة بالشام ، وعلموا أنّه إن عاد استولى الفرنج على البيت المقدّس وغيره ممّا يجاوره ، لا مانع دونه ، فتردّدت الرسل ، وسار الأشرف بنفسه إلى الكامل أخيه ، فحضر عنده ، وكان وصوله ليلة عيد الأضحى ، ومنعه من العود إلى مصر ، فأقاما بمكانهما .